مصطفى الزِّيـــن : --------------مســرودات بألــوان الطفـــولة:------ 12-(الأخيرة): برونزي ، من نحاس وحديد ظهر المهراز



مصطفى الزِّيـــن : --------------------------------------------------
------------------مســرودات بألــوان الطفـــولة:-------------------------
12-(الأخيرة): برونزي ، من نحاس وحديد ظهر المهراز
ظلت علاقتي (بظهر المهراز) ، وبفضائه الجامعي ، قائمة حتى بعد أن غادرت كلية الآداب إلى المدرسة العليا للأساتذة -بنسودة ، في أكتوبر1984 ؛ لم أنقطع -كما بعض وزملائي- عن زيارة تلك القلعة؛ لأن كثيرا من أصدقائنا كانوا لا يزالون هناك..؛ أو لحضور دروس السلك الثالث .؛ ولأني كنت أواعد، هناك ،فتاة طالبة من طنجة ، ظننتها ، عبثا ، تحل في قلبي محل لوليتاي البعيدة..ثم خفتت علاقتي بظهر المهراز شيئا فشيئا ، إلى أن خبت أو كادت..إلا من بعض زياراتي لكلية الآداب لحضور مناقشات أطاريح بعض أصدقائي أو بعض تلامذتي السابقين..
لكن في هذا الصيف الكوروني الأخير ، عدت إلى كلية الآداب رفقة ابنتي الثانية التي كانت على موعد هناك لاجتياز مباراة الطب.. تعمدت أن نصعد على الأقدام من قنطرة الليدو ، أي عبر تلك الطريق التي قطعتها ، في النصف الأول من الثمانينيات ، مئات المرات صعودا ونزولا .. كانت الرثاثة والخراب تتقافزان أمامنا في بؤس أشد وأقسى مما كانت عليه في تلك الأيام من الطلب ؛ نعم كانت تمتد آنئد ، على يسار الصاعد ، دور الصفيح من دوار العسكر، من عشش المتقاعدين ..ولكنها كانت مليئة صاخبة بالحياة ودفئها وروائحها..ولكن ها قد تم جرفها وتسويتها ومسحها.. وبدا لي ذلك الفضاء المزروع بصوى مربعة متباعدة بيضاء ،تعلن عن مشروع تجزئة سكنية؛ بدا لي كمقبرة تنتأ فيها الشواهد من دون قبور ..
واصلنا الصعود، في ذلك الصباح الساخن ، عبر نفس الطريق الذي ازداد رثاثة من الحفر والبلى، لا يتميز على حافتيه أي طوار أو جادة للمشاة ، نمشي عليه كما لو كنا نسير في ما كانته مدينة أو قرية ذات عهد بعيد.. تعمدت أن أخفض عيني إلى الأرض ، ليس فقط لأتبين موقع قدمي..،وإنما لأوهم نفسي وابنتي بكوني ألِفْت هذه الجغرافيا وطبغرافيتها ،وما تزال محفورة في بالي ووجداني.. حتى إذا
أحسست أننا وصلنا إلى "الحي" الجامعي - الذي كنت أعرف أن قد تم إعدامه ودفنه؛ تم تدميره وجرفه وتسويته،كما أعدموا "حي" أو دوار العسكر..- رفعت عيني حيث كنت أكون..إلى حيث كانت شرفة الغرفة رقم 257 التي كانت تطل على هذا الطريق وهذه الجهة الشمالية الغربية حيث تمتد الثكنات ،خلف الطريق ، بأسوارها وأشجارها الكبيرة وبواباتها وبناياتها.. إلى حيث مستشفى الغساني الرهيب..قلت لابنتي منار :
-انظري ..تلك الغرفة حيث كنت أقطن مع ثلاثة من زملائي.. قالت:
-أين؟ أية غرفة؟ !
-تلك !انظري ..بالطابق الثالث ، قبل الأخير..
-أبي..أنا لا أرى أية بناية..وأية طوابق..ولا أية غرفة..آه! تقصد هنا كان الحي الجامعي أو السكن الجامعي؟!
قلت : نعم انظري لقد جرفوه ..دون أن ينشئوا آخر بدله..الم يكن عليهم أن ينشئوا آخر..وأحياء أخرى ،قبل أن يهدموا ويجرفوا ؟
وتذكرت أن بابا ، أو فتحة في السور كانت هنا ، عندما مررت منها أول مرة ،قبل أن أنعطف إلى الجهة الأخرى حيث كان مدخل الحي-رحمه الله- وإدارته ، كنت وجدت أول فرشة كتب..أثار انتباهي منها الأعمال الكاملة للنين: أربعة مجلدات مغلفة بالأزرق ، مكتوبا عيها إسم الزعيم؛ زعيم التنظير والبراكسيس السوفييتي، باللون الأبيض الناصع..لم أشترها في تلك اللحظة..ولكني بعد يومين عدت واشتريتها ؛ بأربعتها مقابل عشرين درهما..ولا أعرف لم ظللتُ أحتفظ بها في مكتبتي سنوات طويلة،دون أن أفكر،أو بالأحرى، أن أجد أدنى شهية حتى لتصفحها..حتى أحرقتها ذات يوم أختي لطيفة-رحمها الله- بعد سنوات من انهيار الاتحاد السوفييتي،وعودة مدينتي لنينغراد وستالينغراد إلى اسميهما السابقين، كما كانتا في العهد القيصري، وكما نجدهما في الأدب الروسي العظيم الذي أسرتني منه قصص شيخوف ومسرحياته ، وروايات دستويفسكي وتولستوي ، و"الأم"لمكسيم غوركي وأشعار بوشكين.. ولم أكن مستعدا، مطلقا، أن أضع في رأسي أي حجر إديولوجي ، مقدس أو مدنس، أو أن أحشر نفسي بين أي قطيع، أو جموع ولو كانت جموع المصلين ..؛ولكني، بالمقابل لم أنجح في رهان أن أصبح كبطل رواية "ذئب الفلوات" لتنيسي وليامز..ربما لأن طبيعتي لا تميل إلى العزلة إلا داخل العموم، ولأن "تجنيد" القِسم الداخلي ، كان غير ميلي إلى العزلة، إلى غير رجعة ، ولوَّن مزاجي الفردي بصخب عنبر السجناء و"ساحتهم الشرفية"..
*********
لم أفكر بأن ندخل ، أنا وابنتي ، من باب كلية الآداب الأمامية على نفس الطريق الممتد صعدا، وإنما انعطفنا إلى حيث كان- على اليمين - مدخل ، أو مدخلا ، الحي الجامعي القديم، مدخل قسم الذكور ،ثم قسم أو جناح الإناث ؛ وحيث كان مدخل المطعم الجامعي (الريسطو) العتيد..مما أصبح يشكل شارعا لاحِبا من الخراب والبلى ، حيث كان ولا يزال مبنى مدرسة أو معمل النسيج، ومدرسة ابتدائية ،هنا وسط ماكان "حرما" جامعيا..لا تدنسه حتى عجلات السيارات ، قبل أن تخترقه الأسوار والسياجات والأسوار..والحرس الجامعي الذى سمي "الأواكس" لأنه استحدث وزرع سنة1982 ، متزامنا مع صفقة طائرات التجسس بين الولايات المتحدة والسعودية..واستحدثت جامعات وكليات أشبه بالمدارس ، بدءً من تطوان وأكادير والجديدة..
فكرت أن ندخل إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية من جهة الساحة، من حيث كنا ندخل نحن الطلبة، وكان يدخل السادة الأساتدة حيث كانوا يركنون سياراتهم..ومنها سيارة (بيجو) الزراعية للسوداني الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب، طيب الذكر....لكننا وجدنا الخراب والحفر ..والحفر والفتحات والشقوق تخترق الأسوار..قالت منار:
-أين نحن ، يا أبي ؟ وإلى أين نيسر؟ أنحن في العراق؟ أو أفغانستان؟
قلت:
- أو كأننا بباب تازة ! ( قريتي ،مسقط رأسي حيث أصبح يختلط الدمار والرثاثة ،بالدور والبنايات الجديدة..وسط الحفر والتراب، ولا شبر واحد من الإسفلت أو الطوارات ، أو ما يؤشر على جماعة حضرية أو قروية، أو على إدارة أو سلطة.. غير أن منار لم تستطب تشبيه هذا الفضاء الرث بفضاء باب تازة الصغير وكانت تستحضر صور بغداد والموصل وكابول كما ألفت أن تراها في القنوات التلفزية وأخبارها ووثائقياتها.. ترى لم كل هذا الخراب ، ولا حرب معلنة؟ ولا قصف مسموع أو مكتوم؟ لم دمروا الحي الجامعي ،وتركوا بناية كلية الآداب قائمة عامرة؟ مع العلم أنهما ربما بنيا في نفس السنة أو في سنوات متقاربة من مرحلة الحماية الاستعمارية الفرنسية؟ ..المدرسة الابتدائية بباب تازة حيث درست، كانت من تشييد الاستعمار الإسپاني ،ظلت سنوات شغالة كما تركها الاستعمار، ثم ضاقت عن تكاثر أطفال البلدة، فأضافوا إليها فصلين من البناء المركب الجاهز،أي من الكارتون والصفيح..ثم بنوا مدرسة أخرى عبارة عن صف من أربع أو خمس حجرات ومرافق، فتهرأت سريعا ،كما تهرأت البناية الاستعمارية من الزمن ومن الإهمال أو سوء الصيانة.. حتى الكنيسة الصغيرة هناك استعملوها مطعما، وفي وظائف أخرى غير العبادة ..وكادوا يتلفوا معالمها، ويدمروها.. ؛ الإعدادية وقسمها الداخلي ، حيث درست بالشاون ، كانت ثكنة عسكرية .."ثانوية جابر بن حيان" ،أو "بولي تكنيك"بقسمها الداخلي ، شيدها المستعمرون ،ولا تزال قائمة صامدة، أمر عليها كلما دخلت تطوان، أو خرجت منها..كيف شيد المستعمران الإسباني والفرنسي ،في ظرف وجيز، الكثير من المنشآت ؟ بل إن ليوطي المقيم العام الشهير ،كان جعل من مدينة الدار البيضاء مختبرا معماريا حداثيا رفيعا، بينما تأخرنا، في سنين من الاستقلال ،في تشييد مثل ذلك،أو أقل من ذلك..ولم يسير ما نشيده سريعا إلى البلى والخراب؟!
لم يكن معقولا ، في منطق التدبير اللاشعبي لقطاع التربية والتعليم، أن يظل الحي الجامعي قائما شغالا، تتم صيانته،أو يتم تجديده وتوسعته، في الوقت الذي يغلق فيه المطعم الجامعي، ويتم فيه الإجهاز على كل الخدمات التي كانت تقدم للطلاب..كانت التغذية بالمطعم الجامعي لا تكلف الطالب إلا ثلاثة دراهم ونصف، في اليوم، مقابل ثلاث وجبات مقبولة نسبيا، حيث كانت كل من وجبة الغذاء أو العشاء لا تكلف إلا درهما واحدا ،وأربعين سنتيما، أي أقل من درهم ونصف الدرهم..حتى أني أذكر هذه الطرفة التي حدثت لي ذات يوم: نزلنا مساءً ،صديقي عبد الواحد، وأنا إلى المدينة الحديثة، (دار دبيبغ ) كما كانت تسمى ، واحتجنا أن ندخل مرحاضا عموميا -تحتأرضي- يوجد قريبا من گران أوطيل ..عندما أردت الانصراف ، اعترضني المكلف هناك طالبا مني أداء درهمين اثنين..قلت له مصطنعا الاستغراب: كم؟ كم علي أن أدفع؟ قال: درهمين اثنين ،فقلت له : سيدي ،كيف يكون إخراج الطعام أغلى من إدخاله؟ أتدري أنني تغديت،بالمطعم الجامعي بأقل من درهم ونصف؟ أي أقل مما تطلب مني مقابل رميه..وضحكت ..فضحك متأكدا مما قلت..ثم أشار لي بالإنصراف وهو يحيني باسما.. وكان أبي لا يبخل علي ، حتى أني لم أكن أنتظر صرف المنحة -التي كانوا يؤخرون ويماطلون في صرفها- لأن جزارته كانت رابحة، ولهذا كنت ألجأ إلى بعض المطاعم الشعبية ،كتلك التي بفاس جديد،وكان طبق من قطعة كوارع مع الفاصوليا أو الحمص، مثلا،يكلف ثلاثة دراهم ونصف،أي ما يعادل يوما كاملا من الإطعام الجامعي، وكنا نذهب أيضا إلى محل،بأقواس فاس جديد نفسه ، يعد كاسكروطات من كفتة لحم الجمل بستة دراهم أو ما يقاربها..ولكن بعد أقل من أربع سنوات كان صف الطلبة الداخلين إلى مطعم الحي الجامعي قد طال واستطال..لأن أعداد الطلبة كانت تزداد،ولكن المسؤلين، لم يكونوا يفكرون في تهيئة ما يناسب هذا التزايد من مرافق وخدمات، بل كانوا يفكرون في التخلص من الإنفاق العمومي، والتخلص من صناديق الدعم..وفي إغلاق المطعم..؛ وهكذا تفاجأنا ، ذات سبت ، بكون الريسطو كف عن فتح أبوابه كل يوم سبت أو أحد..كان أبي ،هو الآخر ،قد خذلته صحته أو قوته، وأصابه التعب والوهن، بعد ست سنوات من العمل والمجاهدة ،بعد تقاعده بعد الستين من عمره..فضاقت ذات يده، وبضيقها ضاقت ذات يدي..كنا ذلك اليوم، صديقي جلال وأنا جائعين ،هو ليس معه ولو فلس واحد..وأنا معي بضع دريهمات..عزمته أن نتغذى بما معي ، بأحد المطاعم الشعبية بحي الأطلس..دخلنا ،وجلسنا إلى طاولة..وصحت في النادل:
-امعلم، جوج لوبيا بلاش..
وسرعان ما جاءنا بطبقين من الفاصوليا( اللوبيا) البيضاء،طبعا "بلاش"، أي من دون لحم..التهمناهما سريعا، ونهضت،وتبعني صاحبي إلى المغسلة ..قلت له:
-سأخرج أولا، وأنت في إثري خطوة خطوة..
- كيف ،ألن تؤدي الثمن؟
-ألم تسمع ؟أني طلبت منه لوبيا بلاش؛أي بلا ثمن، دون مقابل.. هيا ورائي..
فخرجنا، ولم يعترض سبيلنا أحد؛ لا شك أنهم رأونا..وتفهموا الوضع، وكانوا يعرفون أن المطعم الجامعي أغلق أبوابه على حين غرة..فهم استفادوا من ذلك، ولا بأس إن غضوا الطرف..فنحن طلبنا مجرد طبقين بسيطين ب"بلاش"..
وفي نهاية موسم 1983/1984، كنت ، أنا و زميلين اثنين من الشاون، على موعد يوم فاتح يوليوز ،لاجتياز اختبار الشفوي من مباراة ولوج المدرسة العليا للأساتذة ،بعدما نجحنا، طبعا ، في الاختبار الكتابي..
عشية الامتحان، أي يوم 30 يونيو السابق ، فوجئنا بكون الحي الجامعي أغلق أبوابه..وهو ما لم يكن منتظرا ..كان صديقي عبد الواحد ،وهو من الشاون ، سلمني مفاتيح البيت ، بحي الليدو ، الذي يكتريه مع بعض زملائه الذين عادوا إلى أهليهم ..فقلت لزميلي وزميلين آخرين:أبشروا ، هيا معي مفاتيح دار حيث نبيت ؛ ولكن لما أردنا دخول البيت ، وجدناه يغص بطلبة آخرين سبقونا..فاقترح علينا أحد الزملاء أن نقصد شقة بحي (ليراك )في الجهة الأخرى من الجامعة..؛ فوجئنا به مغلقا ، وما من أحد.. كنا قد أصبحنا سبعة أو أكثر.. لم أفكر أن أنسحب وأقصد بيت معارفي قرب جنان سبيل..كان الظلام خيم..فقلت : هيا اتبعوني ؟ قالوا:إلى أين هذه المرة..قلت : إلى فندق ملايين النجوم..فأخذتهم إلى جانب معمل كوكا كولا المجاور للجامعة ،حيث فضاء متسع من الجميم( الگازون) .. تردد البعض..ولكنهم سرعان ما حطوا الرحال في هذا العراء المعشب المضاء،..اشترينا دلاحة ، بها تعشينا ، ونمنا آمنين..وفي الصباح وجدت لحيتي الكثة ،لا تحتاج إلى غسل، ولكن إلى مشروع تنقية من القش والشوائب التي علقت بها..ثم توجهت أنا وزميلي الإثنين إلى قرية بنسودة حيث موعدنا بالمدرسة العليا..
**********
وجدنا من نصحنا، أنا وابنتي منار، بالانحراف، عبر بعض الفتحات والممرات الخربة ، حتى وصلنا إلى ساحة كلية الآداب بين جوانبها الثلاثة بطوابقها الأربعة..الساحة التي كانت مسفلتة شاسعة تحولت إلى ما يشبه تلك الحدائق التي تستحدثها المجالس القروية دون أي ذوق جمالي أو حضاري ..هنا فقط أرِيد من الحديقة أن تحُول دون تجمعات الطلبة أو مضاهراتهم الصاخبة بالاحتجاجات والشعارات..في هاته الساحة التي احترثت كان الطلبة ،أظن سنة1982 ، كادوا يقلِبون سيارة عميد الكلية على ظهرها، ومعه ضيفه غير المرغوب فيه..
كان موعد مباراة منار الساعة الثامنة، ولم يتبق إلا نحو عشرين دقيقة..لم يكن هناك أي لوحة ترشدنا إلى قاعة ، أو قاعات الامتحانات ..فقط ، سمعنا ورأينا بعض الأعوان ، من الأعلى ،يحددون لبعض المترشحين ،القاعة أو الجناح، من هواتفهم بعد أن يملي عليهم المترشح رقم الامتحان..لكن سرعان ما انسحب أولائك الأعوان ، فأخذتُ ابنتي إلى جهة الباب على الطريق الصاعد..فوجدنا من أشار علينا بالخروج ، ثم الدخول من الباب الأقصى بأعلى الطريق..حيث وجدنا احتشادا هائلا من المترشحين ،يحاولون معرفة قاعات امتحانهم من بعض الموظفين وبعض ضباط الصف من القوات المساعدة..انحشرنا وتسللنا داخلين إلى الساحة الخلفية حيث ذلك الخزان الذي يشبه في شكله المهراز (أو المهراس) الذي تسمى عليه هذا المرتفع:ظهر المهراز، وتسمت عليه كلية الآداب التي كانت أول ما استحدث هناك، من الجامعة، قبل كلية الحقوق، وكلية الآداب ،وكلية الشريعة..
كان التخبط والفوضى سيدي الموقف،كما يقال..تبعنا مسؤولا مكرفتا ممن كان يحمل لوائح، وآخر مثله ،وضابط صف ..نريد نعرف وجهتنا ..ولكن دون جدوى..كنا في بطن المهراز هذه المرة ،ولسنا في ظهره أو على ظهره ..منحشرين عند الباب ، نريد نخرج للعودة إلى الباب الأول ، ونحن في زمن كورونا / الكڤيد 19، إذ كانوا يزعمون أن نجحوا ، ونجحنا معهم ، في نتائح الحجْر والتكميم وصناعة كماماته..حيث كانوا يُعدّوننا للنجاح في الموجة الثانية الأقوى ، القادمة لا محالة..وها قد جاءت ، بحمد الله ، فارتفعت الأرقام والنسب، وأصبحنا مرشحين لأن نكون أول الملقحين..؛ يريدوننا أن ننجح نجاحا حتى الموت العميم..
حشرنا جميعا أمام الباب الخارجي ،ننتظر موعد المباراة الذي تحول إلى الساعة التاسعة بدل العاشرة..وبالفعل فتح الباب بعيد التاسعة ودخل المترشحون..وأوصلت ابنتي حتى باب المدرج المستحدث ،حيث ستجتاز المباراة ، وانصرفتُ مع أحد الأصدقاء ، جاء هو الآخر ، يرافق ابنه..
بعد ساعتين ونصف عدنا ، صديقي وأنا ، ننتظر خروج المترشحين..فعلمنا أن المباراة لم تنطلق إلا بعد تمام العاشرة والنصف ،بدل التاسعة التي حلت بدل الثامثة..فكان علينا أن ننتظر ساعة أو ساعتين في حر الشمس واقفين..
أنهت، ابنتي إنجازها غير الموفق ، وهاتفتني فقلت لها إني انتظرها عند الباب من حيث أُدخلتْ آخر مرة، لكنها أخبرتني أنها تنتظرني عند الخراب حيث دخلنا أول مرة..فوجدتها هناك ، وعدنا من أمام المطعم الجامعي..؛أي،حيث كان.. وكنا نصطف صفين ، عن يمين وعن شمال ، في ذلك المدخل الشرقي حيث لا زلت أستحضر رنين الدراهم أو المفاتيح الذي يفتعله كل من ليس معه تذكرة الوجبة..فتسمع: (أجي ألرفيق)..ممن معه تذكرة إضافية يقدمها له ،طبعا، بثمنها ..ولا زلت أستحضر رقصة الريح بذاك المدخل مع أوراق الشجر الميتة ، تديرها من اليمين إلى اليسار، على عكس عقارب الساعة ،وعلى عكس أولائك الرفاق الذين داروا ،أو استداروا ، من اليسار الجذري إلى اليمين/القسم ، ولا زال يحلو لهم أن يسموا أنفسهم قدماء مناضلي ظهر المهراز.. فأينكم يا مناضلي بطن المهراس الذي يهرسنا ،اليوم، هرسا، نحن وأبناءنا؟؟!
**********
كنت بدأت هذه [المسرودات بألوان الطفولة] فعلا ؛ بما تضفيه عين الطفل ، الذي كنته ذات زمان بعيد، من ألوان بهية على الأشياء والمشاعر والأحاسيس والوقائع والأحداث..حتى أني لم أكن أريد سوى صنع دروع /مسرودات ورقية أو كارتونية زاهية الألوان؛ سميتها مسرودات،لأن المسرودة ،في العربية، هي الدرع ؛ درع المحارب ؛ سميت كذلك ، لأنها تُسرد، تجمع من قطع حديدية ، تُلحم بمسامير أو مشدات، حتى تصير في ذلك الشكل الدائري المقعر المحدب..وكنت أنوي أن أجعلها ست مسرودات لعبية، أوقفها عند اللحظة والحدث الذي بلغت به الحِلم، وأدخلني مرحلة اليفاعة ..ولكني وجدت نفسي مسترسلا في هذه المسرودات إلى هذه الثانية عشرة ،التي دوْزَنتْها..وجدت نفسي ألاعب شهريار الزمن الكرونيالي ؛ ذاك"الكرون/يل" المعولِم الذي يقف متنكرا في زي گوفيد 19؛ ألاعبه بهذه الدروع الورقية الملونة..ذلك الكرو/نيل الغاشم الذي يقول لي احك، يابن الداهية شهرزاد ، وإلا خنقتك..والحقيقة أني لا أرهب هذا الجبان الشيطان المتخفي المتنكر؛فأنا قد هزمته بأن استغفلته أعدت حياتي مرة ثانية، مستعيدا إياها سردا..متفلتا مفلتا من دقات مدقة مهراسه متوسلا بلزوجة السرد وزئبقيته..ولكني أقاوم عدوا آخر ألد وأفتك ، يقتلنا بشل الذاكرة الفردية والجمعية ،ويتركنا جثثا سائرة دون جدث أو قبر..إنه ألزهيمر اللعين الذي قتل أمي الحبيبة الجميلة شهرزادي الحكائة الزجالة التي كانت تختزن آلاف الحكات والطرائف والبدائع ولكنها ظلت تذكر دائما ، حتى في شيخوختها ومرضها ، أنها ، ذات يوم ، من طفولتها ، كانت سقطت في بئر...أخرجت منها ، لكن لعنة البئر ظلت تطاردها حتى أسقطتها في "بئر النسيان" التي تتهددنا جميعا.. وما هذا الكورو/نيل اللعين سوى خادمها ،يحاول تجميعنا ووضعنا في بئر/ بطن المهراز.
صفرو -الإثنين 23 نونبر 2020 .


Publier un commentaire

0 Commentaires